ابن عربي

160

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ومعه قوص فرمى بها ، وهابا الإقدام عليه ، ثم عاود ليرمي فانقطع وتره ، وسلّم الجارية ، واشتدّ يعدو في جبل كان قريبا منه ، فابتدرا الجارية وفي أذنها قرط فيه درّة ، فانتزعاها من أذنها ، فقالت : وما قدر هذه ؟ لو رأيتما درّتين معه في قلنسوته ، وفي قلنسوته وتر قد أعدّه ونسيه من الدهشة . فلما سمعا قول الجارية تبعاه وصاحا به : ارم القلنسوة ، وانج بنفسك . فلما سمع قولهما ذكر الوتر ، فأخذه وعقده في قوسه ، فولّيا ليست لهما همة إلا النجاء ، وخلّيا عن الجارية . وحدثنا أيضا قال : قال سليمان بن عبد الملك : أنشدوني أحسن ما سمعتم من شعر النساء . فقال بعضهم : يا أمير المؤمنين ، بينما رجل من الظرفاء في بعض طرقاته إذ أخذته السماء ، فوقف تحت مظلة ليسكن من المطر وجارية مشرفة عليه ، فلما رأته حذفته بحجر ، فرفع رأسه وقال : لو بتفاحة رميت رجونا * ومن الرمي بالحصاة جفاء فأجابته : ما جهلنا الذي ذكرت من الشكل * ولا بالذي ذكرته خفاء وداية معها فقالت : قد بدا التيه بالذي ذكرته * ليت شعري فهل لهذا وفاء وسائلة بالباب : ولعمري دعوتها فأجابت * هي داء وأنت منها دواء قال سليمان : قاتلها اللّه ، وهي واللّه أشعرهم . وقرأت في كتاب ( المحاسن والأضداد ) للجاحظ : عن عنان جارية الناطفي ، قال عمرو بن بحر الجاحظ في باب المماجنات من الكتاب ، قال السلولي : دخلت يوما على عنان وعندها رجل أعرابي ، فقالت : يا عم ، لقد أتى اللّه بك . قلت : وما ذاك ؟ قالت : هذا الأعرابي دخل عليّ فقال : بلغني أنك تقولين الشعر ، فقولي بيتا . قال السلولي : فقلت لها : قولي ، فقالت : قد ارتجّ عليّ ، فقل أنت . فقلت : لقد جلّ الفراق وعيل صبري * عشية عيرهم للبين ذمت فقال الأعرابي : نظرت إلى أواخرها مخبّا * وقد بانت وأرض الشام أمّت فقالت عنان :